ابن الفارض

94

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

معي ، والحال أنه ما قدم لي في الأول قلى وغضبا ، بل أسلف لي محبّته ورحمته ، ويعطيني الآن خيرا وكرامة لصدق محبّته السالفة ، وبيان ذلك أن صفات [ 112 / ق ] الحقّ أزلية لا تتغير بفعل العبد ، فكل واحد من أشخاص الإنسان بالنسبة إلى النظر الأزلي . إمّا محبوب أو مغضوب ، والمحبوب لا يصير مغضوبا البتّة ، فكل ما يجري عليه من الأحوال يكون نعمة ، وإن كان في الظاهر نقمة ، وأشار إلى هذا المعنى بقوله ، وما أسلفت قلّى ، ثم أخذ في تفصيل المجمل بقوله : تقرّبت بالنّفس احتسابا لها ، ولم * أكن راجيا عنها ثوابا ، فأدنت ( التقرّب ) : طلب القربة ، و ( الاحتساب ) : طلب الثواب ، و ( الإدناء ) : التقريب ، والضمير في ( لها ) للمحبوبة قدم بيان الإخلاص ، وهو تخليص النيّة في طاعة المحبوب عن شوب طلب الثواب سوى قربه ورضاه ؛ لأن صحة الأعمال بالنيّات ، وصحة النيّات بالإخلاص ، فالإخلاص أساس ينبني عليه كل عمل ، ومعنى البيت : طلبت قرب المحبوبة بتضحية النفس قربانا في إفنائها من الحظوظ طلبا للمحبوبة ثوابا ، ولم أك راجيا عنها ثوابا غيرها ، فأدنتني وقرّبتني ، وقوله : وقدّمت مالي في مآلي ، عاجلا * وما إن عساها أن تكون منيلتي ( المآل ) : الآخرة ؛ لأن العبد يؤول إليه ، و ( إن ) في ( إن عساها ) زائدة ، وعسى من أفعال المقاربة لدنوّ الخير رجاء ، و ( الإنالة ) : الإعطاء ، و ( ما ) في الموضعين موصولة صلة الأولى : مقدّرة ، وهي ( وعد ) ، وصلة الثانية : الجملة بعدها وضميرها محذوف مفعول ( منيلتي ) ، و ( عاجلا ) ، أي : مسرعا حال من الضمير في ( قدمت ) ، أي : قدمت مسرعا الذي وعدني في آخرتي عدلا ، والذي رجوت أن تكون المحبوبة معطيتي إياه فضلا ، وقوله : وخلّفت خلفي رؤيتي ذاك مخلصا * ولست براض أن تكون مطيّتي [ 113 / ق ] ( تخليف الشيء ) كناية عن قطع النظر عنه ، كما أن التقديم كناية عن البذل ، يعني : كما قدمت وبذلت حظوظ النفس في الدنيا والآخرة ، تركت رؤيتي ذلك البذل في حال كوني مخلصا ، ومع ذلك فلست براض أن تكون نفسي التي تقرّبت بتضحيتها مطيّتي في الآخرة ، كما ورد : « عظموا ضحايكم ، فإنها على الصراط مطاياكم » ، وعطف عليه قوله : ويمّمتها بالفقر ، لكن بوصفه * غنيت ، فألقيت افتقاري وثروتي